
هل يمكن طلب العسل من غير ذلك المكان..؟ أمثالنا الشعبية ليست بذلك القدر من الشعبية .. يمكن أن نجد فيها أكثر من العسل .. وأقل منه طبعا ..
حسن المظهر هو حاجة الحاجيات المشبّعة ... المظهر "اللائق" هو تعبير ثقافي و وسيلة تواصل إجتماعي يستدعي جملة من الشروط لعل أهمها توفر الحد الادنى من العدالة الأجتماعية ..
لا يمكن أن نطالب من لا يملك الحق في التفكير أن يفكر في لباسه ومظهره لكي يتواصل إجتماعيا .. أقصد بالتفكير تلك العملية الذهنية التي نقوم بهاعندما تكون أمورنا وحاجياتنا المادية متوفرة.. البطن الخاوية و الحاجيات الأساسية الغير مشبّعة لا يمكن ينتج عنهما "ترف" ذوقي.. المظهر "اللائق" هو ترف إقتصادي بالاساس وترجمة لحالة من الأنسجام الأجتماعي .. لكن في حالة إنسداد الأفاق و إنعدام توزيع الثروة الوطنية على كافة مناطق البلاد بشكل عادل لا يمكن أن نطالب أي مواطن من مواطني الداخل ( الرديف على سبيل المثال) أو من الذين التحقوا بعاصمتهم تونس أن يعتنوا بمظهرهم دون تحقيق جملة من الشروط !
إن المظهر اللائق هو وسيلة للتخاطب الأجتماعي.. لكن ماذا يفعل بهذه الوسيلة العاطل عن العمل والمقصي من التنمية و من أعيته وسائل أكثر مباشرتية للتواصل دون الحصول على حقه في التنمية ؟
إن كان لي أن أترجم هذه الدعوة إلى "المظهر اللائق " إلى لغة أكثر وضوحا فالرسالة الغير منطوقة :le non-dit
هي: كن نظيفا ولو دون ملابس ذات الماركة العالمية التي أنت لا تقدر عليها بطبعك لكن لا تعكر لي محيطي بمظهرك الغير لائق فانا أريد أن اتمتع بمظهري اللائق (ملابسي الغالية الثمن.. ذات الماركة العالمية) وسط محيط يقدره!
هذه هو الكلام الغير منطوق في الرسالة أو الرسالة اللاشعورية التي تمر دون أن نتبه إليها.
هذا المنطق يفضي بنا الإقصاء الأجتماعي وتقسيم إضافي للمجتمع بين لائقون وأقل لياقة ومنعدمو اللياقة .. وكأننا في حاجة إلى تقسيمات جديدة !! وكأن "شروط اللياقة" متوفرة في كل إنسان بقطع النظر عن وضعه المادي و الأقتصادي ؟
لا يخفى البعد الديني في مثل هذه الدعوات التي تخفي من التقزز أكثر مما تبرز من التعاطف والتي هي ترجمة وفية للمنطق الديني الذي يرى أن الأنسان "خلق على أحسن تقويم" وما عليه سوى الأختيار بين الجيد والسيء.. بين الخير والشر.. بين الأناقة وعدمها, بناء على ارادته الذاتية لكن الواقع هو أن هذه الأرادة تخضع لجملة من الشروط الموضوعية التي لابد من توفرها لتتحقق
إن كان لنا أن نعالج مثل هذه الظواهر فمعالجتها لا تتم بالاقصاء بل بالبحث عن اسبابها الحقيقية الكامنة في شروط إقتصادية أفضل من أجل خلق شروط وعي أرقى على مستوى اللباس باعتباره أحد التعابير الثقافية والتخاطب الأجتماعي وليس وسيلة إقصاء أو تمايز إجتماعي